أحمد بن محمد ابن عربشاه
218
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
من كفايته عليه ، ومشغول ليلا ونهارا بمعاشرة نديميه فاتسع خيال الوزير ، وأخذ في مجال التفكير إلى النديمين لكونهما ناصحين قديمين ، ربما يصدر منهما عند الملك ما يحطّ منزلته ، ويفسدان للحسد الذي لم يخل منه جسد صولته ، واستحوذ عليه هذا الخيال واتسع في ميدانه المجال ، فكان خائفا على وظيفته ومنصبه ، مترقبا منهما ما يكون عزله بسببه ؛ فنشأ من ذلك في خاطره جساوة « 1 » أو ورثته قساوة ، وجذبته إلى عداوة ، ووقر في قلبه ذلك ، وتأكد وطال عليه من الدهر الأمد ، فكان يترقب لهما الفرص ليوقعهما من الغصص « 2 » في قفص ، ويسابقهما قبل انتيابه ويتغذى بهما قبل أن يتعشيا به ، ويقول : لا بدّ من تنظيف الطريق قبل حصول التعويق . وقد أحسن من قال واتقن في المقال : ومن لم يزح عن دربه الشوك قبل أن * يطأه فلا يعتب إذا شاك رجليه وأقل الأقسام أن يبعدهما عن حضرة الملك الهمام ، فاتفق أن في بعض الأسحار تجاذب الملك ونديماه أطراف الأسمار ، فأثر فيهم السهر لطيب السمر في ضوء القمر ، وحلاوة ما جنوا منه من ثمر عاملين بما قيل : متى ما أصادف من أحبّ بخلوة * أصرح بما أرجوه من متكتّم يقول فأصغى أو أبثّ فيتنبى ؟ ؟ ؟ * ليستمع قولي كالمشوق المتيم أسامره لا أنّ أمل حديثه * وآمره كلّ الأمور سوى نم فأخذت الملك عيناه فاستند إلى متكاه ، فانحل من طرفه وكاه « 3 » ، فلم يتمالك أبو نوفل أن ضحك لما غنت زمارة الملك فتنبه من ضحكه وتعجب
--> ( 1 ) عداوة . ( 2 ) الغصص ، مفردها غصة : يضيق عليهم . ( 3 ) الوكاء : رباط السروال وما يشبه رأس القربة . والمعنى : ارتخت أعصابه فأحدث صوتا من دبره .